محمد بن علي الشوكاني

1292

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

( الوجه الثالث ) : أن الأمة قد أجمعت على أن التوبة تمحو الكفر . فإذا تاب الكافر تاب الله عليه ، وأجمعت على أن ذنب القذف دون ذنب الكفر . بمسافات لا تحصى . فيستفاد من هذين الإجماعين ، أن ما يصدق عليه مسمى التوبة في حق القاذف يكون توبة مقبولة ، سقط عنه ها إثم القذف . فاعتبار قيد زائد على مسمى التوبة في القذف ، [ وهو ] ( 1 ) دون الشرك مخالف لقواعد الشريعة ، ولما عليه أهل الإسلام . وليس القاذف بأشد جرما ، ولا أكبر ذنبا من الكافر بالإجماع . ( الوجه الرابع ) : أن [ الشهداء ] ( 2 ) الذين جلدوا بسبب كونهم دون النصاب ، لم يكن جلدهم لكونهم كاذبين قي الواقع ، بل لكونهم أقدموا على ما يخالف الشرع ، وهو شهادتهم [ 3 ب ] وهم دون النصاب ، ولم يبح الله لهم ذلك ، ولا أجازه ، فاستحقوا الجلد ورد الضهادة ، وإطلاق اسم الفسق عليهم . فالتوبة : هي اعترافهم بأنهم خالفوا الشرع في هذا الإقدام على الشهادة ، وسارعوا إلى هتك عرض المسلم المشهود عليه بدون حقه ، واستعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة ، وندمهم على ما فرط منهم ، وعزمهم على أن لا يعودوا إلى ذلك ، فإيجاب تكذيبهم أنفسهم هو أمر أخر غير ما تابوا عنه . ( الوجه الخامس ) : أن ما أخبروا به هو عند سامعه في حيز الاحتمال لم يرد دليل صحيح من عقل ، ولا نقل بأنه كذب ، وجلدهم الذي أقيم عليهم ، إنما هو رجوع إلى ظاهر الشرع ، لا كونهم كاذبين ، فإن هذا لم يتعبدنا الله به ، فإلزامهم بأن يخبروا عن أنفسهم أنهم كاذبون ، وجعل ذلك شرطا في توبتهم ، لا تقبل بدونه ، هو غير ما يعتقده من جمع الشهادة ؟ لأنها عنده في حيز الاحتمال ، وغير ما يعتقده الشاهد ، لأنه عند نفسه على بصيرة لولا أنه وقع في الخطأ ، بسبب إقدامه عليها مع عدم كمال النصاب .

--> ( 1 ) زيادة يستلزمها السياق ( 2 ) في المخطوط : الشهادة والصواب ما أثبتناه